|
يوسف حجي : 08/11/2007 05:10:24 م
بلا شك ان معاناة البسطاء والظلم الواقع عليهم عادة ما يكون له الاولوية في طرح القضايا، وفي الكويت لا قضية نتحدث من خلالها عن المعاناة والمشاكل والهموم والتعقيد سوى قضية غير محددي الجنسية «البدون»، فعلى الرغم من انسانية القضية وأهميتها الا اننا لا نجد اي حلول جذرية لها فما يتم الان ما هو الا حلول ترقيعية تساهم في ان يعيش «البدون» في حياة افضل نوع ما وان كان جرح الهموم مازال غائرا في قلوبهم. المعارضون لايجاد حلول لهذه القضية عادة ما يطلقون عليها صفة «التعقيد»، فعلى الرغم من تشعبها وضمها لاكثر من حالات مختلفة الا ان الحل يبقى في حاجة الى وقفة جادة وشجاعة ولسان جريء يصلح بكلمة «حل جذري ونهائي». من خلال هذا التحقيق سنلتقي بأشخاص هم يعبرون ويمثلون باقي زملائهم من حملة السلاح في الجيش الكويتي والشرطة والذين قدموا التضحيات وكشوا عن ولائهم الحقيقي من خلال عدة مواقف مشهودة وحروب شاركوا بها وكان جزاؤهم النكران. في البداية يقول «سعدي ج» كنت اعمل في الجيش الكويتي منذ بداية السبعينيات وشاركت ضمن الكتيبة الكويتية التي ارسلت لمساندة اخواننا المصريين في حرب اكتوبر 1973 وعندما ذهبت الى هناك كلفت بحمل الراية الكويتية بين يدي وليس غيرها لانني لا اعرف لي وطنا غير الكويت. ويضيف خدمت بلدي الكويت بكل اخلاص وفي يوم وليلة انقلب الحال رأسا على عقب فبعد ان كنت اعيش آمنا مطمئنا انا واولادي الثمانية فوجئت بقرار مجحف وغريب من قيادة الجيش عندما طلبت مني كما طلبت من الكثير من البدون في الجيش ابراز جنسيتنا الاصلية على اعتبار انهم يعتقدون اننا نملكها ولكننا نخفيها عنهم، ويشير الى انه وزملاءه حاولوا ان يعرضوا قضيتهم على المستوى الاعلى لكي يوضحوا لهم الصورة لا وطنا غير الكويت ولكن لم يسمعنا احد ثم تلى ذلك قرار اخر بوقفنا عن العمل وتسريحنا من الخدمة دون اعطائنا اي حقوق حتى مكافأة نهاية الخدمة التي يحصل عليها الجميع لم نأخذ منها فلسا واحدا وفي لحظة اصبحنا ممن يفترشون الشوارع نطلب اهل الخير لكي نعيش نحن واولادنا. فلك ان تتخيل في لحظة واحدة يضيع مصدر رزقك الذي لم تعرف غيره منذ نعومة اظفارك وفي مثل هذا العمر الذي لم اعد اقوى فيه على تعلم مهنة اخرى وتقف امام حاجات اولادك البسيطة عاجزا ونحن لا نرغب في اي شيء سوى في رفع هذا الظلم الواقع علينا وان نعود لعملنا الذي الفناه والف علينا وان نحصل على حقوقنا الضائعة وترد لنا كرامتنا التي اطاحت بها القرارات المجحفة وان ترفع الى المسؤولين الصورة المريرة التي وصل اليها حالنا وحال اولادنا وان يراعوا آدميتنا وان يعلموا اننا لم نعرف لنا وطن ننتمي اليه غير هذا الوطن الذي ولدنا ونشأنا وعشنا اعمارنا به. بعد ان سمعنا هذه القصة المحزنة واعتبرناها حادثا فرديا لشخص واحد ولكن بالبحث المتعمق فيما بين هذه الفئة التقيت بشخص آخر صاحب قضية اخرى تتشابه في احداثها مع القصة السابقة وهو «أبوفهد» والذي قص علينا ما ادمع عيوننا عن معاناته بعد ان ظل يعمل بالشرطة لمدة اكثر من خمسة وعشرين عاما وكما يقول هو قضيتها: في خدمة هذا الوطن واهله وافنيت حياتي فيها وبعد كل هذا تختار بين اثنين كلاهما مستحيل اولا ان تحضر لنا شهادة الجنسية الاصلية والثاني انت مطرود من الخدمة من دون ابداء اسباب. وفي سخرية وجدته يقول «بدون» انها دائما وراء كل المصائب التي تقع على رأسي فهي كلمة من اربعة احرف احفظها عن ظهر قلب ولكنها اتعس كلمة عرفتها منذ ولدت فهي سبب شقائي وتعاستي على الرغم من اني لم اعرف لماذا انا بدون والى اين سينتهي الحال بنا فلم نعد نتحمل ما ألم بنا من مصائب بسبب هذه الكلمة ومن اين آتي بشهادة جنسية وانا لم اعرف لي وطن غير هذا ومن سيمنحني شهادة من عنده وهو لا يعلم عن وجودي اي شيء واولادي الذين تقطعت بهم سبل الارزاق ولم نعد نقدر على العيش فالهموم والديون اثقلت كاهلنا والحاجة اذتنا والسبب بدون ويكفينا الحديث حتى لا تضطر الى حملي الى احد المستشفيات لان هذا الامر عندما استرسل في الكلام فيه يهيج كل الامراض بداخلي وتكون واحدا ممن ادين له لانني لا املك تكلفة العلاج فدعني فيما انا فيه وكف عن الكلام.
العقدة في المنشار هذه مأساة أخرى تتشابه في الاحداث مع سابقتها وبطل هذه القصة «ابوعبدالله» الذي قضى من السنوات ما لم يعد هو نفسه يتذكرها في العمل بالجيش الكويتي لدرجة انه يقول انها تقترب من الثلاثين عاما بقليل وبطبيعة الحال كما هو من المنتظر انه من فئة غير محددي الجنسية «البدون» والذي صدم هو الآخر بقرار ايقافه عن العمل وتسريحه من الخدمة بالجيش وايضا من دون سبب مقنع مرة اخرى. ويقول انهم ارادوا التخلص منا بطريقة فوضعوا العقدة في المنشار وانت تعرف الباقي. ولكن كل ما اعرفه انهم سرحونا واصبحنا في الشارع بعد كل هذه السنوات من العمل المخلص المتفاني ولم يراعوا حتى حقوقنا فلم نحصل على مستحقاتنا واولها مكافأة نهاية الخدمة التي اعتبروها موقوفة لحين تلبية طلباتهم. وطبعا انت تعلم ان تلبية طلبهم امر مستحيل تحقيقه المهم اننا اصبحنا بلا عمل او مصدر رزق نعول عليه احتياجاتنا وطلبات اولادنا لدرجة انني بدأت في بيع كل ما له ثمن لسد احتياجاتي انا واولادي الخمسة الذين اعولهم. وكل منهم له طلب وكل منهم له يد تمتد كل يوم فبالله عليك يا اخي ماذا افعل في هذه المصيبة التي المت بي ولم يعد هناك ما ابيعه لسد حاجاتي فسوف اصطحبك لمكان اقامتي لترى بنفسك ما وصلنا اليه من حال مذرية.
كارثة إنسانية وبمتابعة مسلسل الكوارث الانسانية لمن نال منهم القرارات بالتسريح والايقاف عن العمل والطرد وتعليق الحصول على المستحقات الى حين صدور اشعار آخر التقيت بصاحب مشكلة اخرى ويدعى «ع . ش» وبالطبع اردت ان اعرف اساس عمله الذي توقعت ان يكون باحد الوزاراتين اما الدفاع او الداخلية لانهم اصحاب الحظ الاوفر في المصائب وعند سؤالي اليه قال كنت اعمل بالداخلية لمدة تصل الى 25 عاما تقريبا. وقد الم بي ما الم بالكثيرمن زملائي ولا تختلف قصتي عنهم كثيرا ففي لحظات بعد ان كنا نعيش حياتنا بين العمل وامور الحياة ومتطلباتها التي كنا نعتمد على الله وعلى الراتب الذي نتقاضاه من الوظيفة وبعد كل هذه المدة من الاخلاص في العمل وخدمة هذا الوطن الذي لا نعرف غيره لنا وطن اصبحنا بلا عمل ولا مصدر دخل وحتى طردنا شر طردة بلا مراعاة لآدميتنا ودون النظر لما سيلحق بنا من اذى يطالنا ويطال اولادنا والسبب المعلن عنه هو انك غير محدد الجنسية ولا يعرف انتمائك فهل هذا سبب كاف لجعلي انا واولادي نصل الى هذه الدرجة من العوز المادي والمعنوي بعد التفرقة بيننا وبين زملائنا الذين كانوا متجاورين معنا بالعمل اليس هذا ظلم وقع علينا واثر فينا وفي نفوس اولادنا الذين وجدونا بعد ان كنا نعيش في ستر اصبحنا ننتظر اهل الخير ونمد لهم ايدينا بعد ان قمنا بدق جميع ابواب الرزق التي غلقت في وجوهنا بسبب كبر العمر وقلة الخبرة في العمل التجاري الحر كل هذا بعد هذه السنوات التي افنيتها في خدمة هذا الوطن. وهكذا وبعد ان استمعنا الى العديد من المشاكل التي المت بهذه الفئة من جراء القرارات المتخذة من دون دراسة واعية لم تراع البعد الانساني لهؤلاء الاشخاص وما تم عرضه هو نقطة في بحر المشاكل الناجمة عن عدم التطرق الى الحل الواقعي لمشكلة البدون.
|